الحياة بين الكتب

دروس الحب

الحياة بين الكتب

افضل طريقة لإلقاء درس. هو أن تحكي قصة عنه، وهذا ما فعله بوتون في كتابه هذا. هي رواية فلسفية سيكولوجية عن الحب. نتتبع فيها رابح وكريستين، ونخوض معهما رحلة حبهما من قبل البداية وما يعتريها من صعود وهبوط وخوف وقلق وشوق واحتواء وخيانة. ويؤدي بوتون دور الراوي العليم الذي يعرف كل شيء ويفضي إلينا ما يخالجهم دون تروية.

هناك أفكار كانت تؤكد ما اعرفه عن الحب. واخرى كانت دروس جديدة بالنسبة. اننا نمضي في هذه الحياة دائما وأبداً نتعلم دون أن نصل لنقطة نهاية. بدأت افهم الحب بشكل مختلف عما اعتدته. أو بمعنى أصح المؤسسة الزوجية. فالحب ليس قوة خارقة سيحل اي شيء. بالنسبة لي كان الحب مجرد الكرزة التي تزين الكعكة. ومن دون الطبقات التي تحتها (الاحترام - الثقة – التقبل ) الحب لن يصمد.

الحقيقة لدي الكثير لاقوله بشأن هذا الكتاب وأكثر ولكني سأكتفي باقتباسات منه. انه من الكتب التي ساعود لقراءتها مجددًا.

ملحوظة: هناك لقطات غير لائقة في بداية الكتاب لنا نحن المسلمين، وجب التنبه لمن سيقرأ الكتاب.

الحياة بين الكتب


الاقتباسات

لا يبدأ الزواج بعرض الزواج، ولا حتى في اللقاء الأول، يبدأ قبل ذلك بزمن طويل؛ يبدأ عندما تولد فكرة الحب. وعلى نحو اكثر تحديداً، يولد مع الحلم بشقيق الروح.

📌

سوف يستغرق رابح سنوات كثيرة من المحاولات المتكررة في عالم الحب حتى يصل إلى بضعة استنتاجات مختلفة، وحتى يدرك أن تلك الأشياء نفسها التي اعتبرها يومًا ما رومانسية الحدس غير المعبر عنه بالكلمات، والتوقيت اللحظي، والايمان بشقيق الروح – هي ما يقف عقبة في طريق تعلم أن يكون المرء مع شخص آخر. وسوف يستنتج أن الحب غير قادر على الإستمرار والدوام إلا عندما يكون المرء غير مخلص لتطلعاته البدئية الخدّاعة، وأن عليه -حتى تنجح علاقاته- أن يتخلى عن المشاعر التي جعلته يدخل تلك العلاقات أصلًا. سوف يتعين عليه تعلم الدرس القائل أن الحب مهارة، لا فيض حماسة.

📌

تحظى لحظة البداية بهذا القدر غير المتناسب من الاهتمام لأن احدًا لا يعتبرها مجرد مرحلة من بين مراحل كثيرة. فعند الشخص الرومانسي، تشتمل هذه المرحلة – بصورة مكثفة – على كل ماله أهمية في الحب جملةً. هذا هو السبب الذي يجعل الرواي، في قصص حب كثيرة، عاجزًا عن الاهداء إلى أي شيء آخر يفعله بالرجل والمرأة بعد أن ينتصرا على جملة من العقبات المصاعب الاولية إلا أن يضعهما في عهدة مستقبل قاسٍ غامض، أو حتى أن يعمد إلى التخلص منهما بإنهاء حياتهما. ليس ما ألِفنا أن نسميه حبًا إلا بداية الحب، لا أكثر!

📌

يعني الحب الإعجاب بصفات لدى المحبوب تعدنا بأن تصحح نقاط ضعفنا واختلالاتنا؛ فالحب بحث عن الكمال. أن حب رابح استجابة منطقية لاكتشاف عناصر القوة المتمم لشخصيته وجملةٍ من الخصال التي يتمناها لنفسه. انه يحب انطلاقًا من إحساس بالنقص، بعدم الكمال… ومن رغبته في أن يصير مكتملًا.

📌

فالحب ايضًا – بالتساوي متصل بالضعف، متصل بأن تمس مشاعر المرء الآم الآخر ومواطن ضعفه وهشاشته.

📌

يبلغ الحب ذروةً في تلك اللحظات عندما يتضح لنا أن الحبيب يفهم النواحي المخجلة والمحرجة في انفسنا، النواحي التي تعمها الفوضى، يفهمها بوضوح اكبر مما يستطيعه اي شخص آخر، بل ربما اكبر مما نستطيعه نحن. فأن يتمكن شخص آخر من فهم حقيقتنا، ويتعاطف معنا، ويصفح عنا نتيجة ما يراه كامنًا من تحت قدرتنا كلها على الثقة والعطاء. الحب هبة امتنان لقدرة بصيرة الحبيب على النفاذ إلى نفسنا المضطربة الحائرة.

إن في مرحلة الحب الأولى نوعًا من الإحساس بالارتياح المحض إزاء القدرة -أخيراً – على الكشف عن ذلك القدر كله مما كان ضروريًا أن يبقى خبيئًا بقية اللياقة. نستطيع الإقرار بكوننا لسنا محترمين، أو رصينين، أو متزنين، أو اسوياء بالقدر الذي يراه المجتمع فينا. نستطيع أن نكون طفوليين، مبدعين جامحين، ساهرين، هشين، متعددين… الحبيب قادر على فهم هذا كله وقوله فينا.

📌

نظن اننا نلتمس السعادة في الحب، لكن الألفة هي ما نسعى إليه في حقيقة الأمر. نتمنى أن نعيد – ضمن علاقاتنا بعد أن نكبر- خلق المشاعر نفسها التي عرفناها احسن معرفة في طفولتنا، تلك المشاعر التي نادرًا ما كانت محدودة بالرقة والرعاية فقط. يأتينا الحب الذي ذاقه اكثرنا في مرحلة مبكرة من الحياة مقرونًا بديناميات اخرى اكثر اذى: الاحساس بالغربة عند مساعدة شخص بالغ فقد رشده، أو الإحساس بالحرمان من دفء الوالدين، أو من دفء أحدهما، أو الذعر من غضبه او غضبها، أو الإحساس بعدم الأمان الكافي للتعبير عن اكثر رغائبنا تعقيدًا. فكم هو منطقي إذًا ان نجد انفسنا – بعد أن اصبحنا كبارًا ناضجين- نرفض بعض المرشحين لا لأنهم “غير مناسبين”، بل لأنهم “ملائمون” اكثر مما ينبغي – بمعنى انهم يبدو عليهم قدر زائد من التوازن والنضج والفهم والجدارة بالثقة- وذلك لأن قلوبنا تشعر بأن هذه “الملاءمة” غربية عنا، وبأننا لا نكاد نستحقها. نجري خلف آخرين، خلف أشخاص اكثر إثارة لنا، لا لاعتقادنا بأن الحياة ستكون اكثر انسجامًا معهم، بل انطلاقًا من إحساس لا واعٍ بأن تلك الحياة ستكون مألوفة على نحو مطمئن من حيث نوع خيبات الأمل التي ستكون فيها.

📌

يعني النضج إقرارًا بأن الحب الرومانسي قد لا يشكل اكثر جانب ضيق ( لعله جانب غير لطيف تمامًا ) من جوانب الحياة العاطفية. جانب ينصب اكثر تركيزه على تلقي الحب، لا على منحه. على أن يُحَب المرء، لا ان يُحِب.

📌

يعلمنا الأطفال أن الحب – في أنقى حالاته هو نوع من الخدمة. نحن معتادون أن نحب الآخر مقابل ما يستطيع فعله من أجلنا. مقابل تسليتنا، أو سحرنا، أو تهدئتنا. إلا أن الأطفال غير قادرين على فعل اي شيء ابدًا. انهم يعلموننا أن نعطي من غير اي شيء في المقابل، بل لمجرد انهم في ماسة لعوننا، ولأننا في موقع يسمح لنا بتقديم هذا العون إليهم. يعلموننا حبًا غير قائم على الإعجاب بالقوة بل على العطف على الضعيف. وبما ان ان الإفراط في التأكيد على الاستقلالية امر مغرٍ دائمًا، فإن هذه المخلوقات العاجزة موجودة هنا لكي تذكرنا بأنه – في آخر المطاف- ما من احد صنع نفسه بنفسه. فنحن جميعًا مدينون كثيرًا لأشخاص كثيرين. ندرك ان الحياة معتمدة – بالمعنى الحرفي للكلمة- على القدرة على الحب.

📌

تشدد الرؤية الرومانسية للزواج على أهمية العثور على الشخص “الصحيح”. ويفهم هذا بمعنى ان يكون الشريك شخصًا متفقًا مع جملة ما لدينا من اهتمامات وقيم. لا وجود لهذا الشخص على المدى البعيد. نحن بشر متنوعون وفريدون إلى حد بعيدٍ. ولا إمكانية لوجود تطابق دائم. فليس الشريك الأنسب لنا حقًا هو ما تشاء المصادفة (بفعل أعجوبة من الاعاجيب ) أن يشاركنا كل ميل وهوى، بل هو من يستطيع التعامل مع الميول تعاملًا ذكيًا وراضيًا.

📌

وبدلًا من فكرة واهنة عن التكامل التام، فإن القدرة على قبول اللاتماثل قبولًا متسامحًا هي ما يشير إلى الشخص “الصحيح”. التوافق أمر ينجزه الحب، وليس شرطًا يسبقه.

📌

بمقتضى المعايير التي نراها في أكثر قصص الحب، تكاد تكون العلاقات الحقيقة الخاصة بنا معطوبة كلها، وغير مرضية. ولا عجب إذًا في أن تبدو حالات الانفصال والطلاق محتوم اكثر الأحيان. لكن علينا أن نحاذر الحكم على علاقاتنا انطلاقًا من التوقعات التي تفرضها علينا تلك المنتجات الفنية التي تكون مضللة في أحيان كثيرة. فالخلل موجود في الفن، لا في الحياة. وبدلًا من الانفصال، قد يكون علينا أن نحكي لأنفسنا قصصًا اكثر صحة… قصصًا لا تفرِط في الاعتماد على نقطة البداية، ولا تعدنا بالفهم التام، بل تسعى إلى جعل مشكلاتنا امرًا طبيعيًا وإلى جعلنا نرى سبيلًا عبر مدرسة الحب قد يكون كئيبًا لكنه مفعم بالأمل.

📌

#book